12-09-2021 | 12:53 المصدر: النهار العربي

جود شريط
في ليلة مظلمة، هرعت جود شريط إلى نافذة غرفتها بعدما سمعت صوت قصف مدفعي سوري. أمسكت الفتاة البالغة من العمر 21 ربيعاً هاتفها والتقطت صورة لمدينتها إدلب ونشرتها على حسابها في “فايسبوك”، مع منشور كتبت فيه أنها تدعو الله أن يهدئ قلبها ويزيل الهموم والمصائب عنها وينوّر طريقها ويحقق أحلامها.
لكن قذيفة عشوائية أخرى لكن قذيفة عشوائية أخرى سقطت قرب منزل جود، تناثرت شظاياها وقتلت الفتاة مع أحلامها بعد نحو ساعة من منشورها.

جود شريط
كانت الفتاة ذات الشخصية القيادية المميزة في مجتمعها، قد تخرجت حديثاً من كلية التربية قسم علم النفس في مدينة إدلب الخارجة عن سيطرة النظام السوري شمال غرب البلاد، وشقت طريقها سريعاً بدعم من عائلتها كمديرة روضة أطفال. اعتادت أن تكتب منشورات بسيطة على صفحتها تحتفل فيها مع عائلتها بأعياد ميلادها وتدعو للتفاؤل والأمل بالحياة التي حرمتها شقيقها.

والد جود شريط
والدها أسس مع أصدقائه منذ عام 2014 صفحة ومجموعة خدمية على “فايسبوك” باسم “وفيات مدينة إدلب الخضراء“، يتابعها الآن نحو 120 ألف شخص، ينشر عليها أسماء أبناء المدينة الذين قضوا، سواء خلال هجمات أو ظروف طبيعية، نشر عليهما يوم الثلثاء أنباء مقتل ابنته، ما أثار تعاطفاً هائلاً. كان الأب نفسه قد نشر عام 2016 منشوراً مماثلاً يعزي فيه بمقتل ابنه أنس شريط البالغ من العمر 19 عاماً، جراء التعذيب بعد اعتقال دام 4 سنوات في سجون المخابرات السورية التي تحتجز نحو 130 ألف سوري في ظروف مزرية، وفق إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومة متمركزة في فرنسا.
هكذا تتشتت عائلات المدنيين السوريين وتضيع أحلامهم في دولة تشهد منذ مطلع عام 2011 حرباً شرسة، أسفرت عن مقتل أكثر من نصف مليون سوري، ونزوح وتشريد نحو 13 مليون آخرين من منازلهم داخل البلاد وخارجها.
وندد نائب منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية مارك كتس بالهجمات. وكتب يوم الخميس على “تويتر”: “جود (21 عاماً) كانت واحدة من المدنيين الأربعة الذين قتلوا خلال هجوم مدفعي عنيف للحكومة السورية وحلفائها على المناطق السكنية في مدينة إدلب”. وأضاف: “جود تخرجت حديثاً وتدير روضة أطفال، لا يمكن السماح باستمرار هذه المذابح اليومية ضد المدنيين الأبرياء”.
والد جود يروي أحلام ابنته
تحدث ياسر شريط والد جود لـ”النهار العربي” عبر “واتساب” بعد انتهاء ثالث أيام العزاء، قائلاً إن ابنته استلمت شهادتها قبل أقل من أسبوعين من الهجوم.وحاول الأب التغلب على حزيه لتبدو نبرة صوته متماسكة، وقال: “لقد كانت مفعمة بالحياة، مقربة للغاية من والدتها، التي أشرفت على تربيتها المثالية منذ الصغر، إلى أن أصبحت مديرة الروضة هذا العام، إنها ابنتي الوحيدة. لدي ولدان آخران في إدلب وشابان في الخارج، أحدهما في الولايات المتحدة والثاني في ألمانيا”.
ويروي: “بدأت الفكرة عام 2017 حينما فتحنا روضة خيرية باسم السراج المنير، تتقاضى أقساطاً رمزية لدفع أجور المدرسين، وتعفي العائلات الفقيرة من الرسوم. كانت زوجتي، وهي مهندسة مدنية متخرجة من جامعة دمشق، تدير الروضة، ودربت جود على الإدارة جيداً. دفعنا إيجار المبنى السابق لسنوات، وهذه السنة اشترينا مبنى أكبر يناسب توسع عمل الروضة”.
ويضيف: “صممت جود المبنى الجديد بالطريقة التي تحبها مثل طلاء الجدران، ونوع المقاعد والنوافذ وكل اللوازم. كانت تحب الحيوانات الأليفة، فخصصت في ساحة الروضة مكاناً وضعت فيه بعض الأرانب، والعصافير والدجاج والبط. ازداد إقبال الأهالي، وسريعاً امتلأت الروضة بالأطفال، لذا أغلقت جود واحدة من غرف الإدارة وحولتها إلى صف دراسي إضافي”.
يتنهد مع كلمات ممزوجة بالألم ويقول: “ما زلت أحتفظ بورقة كتبتها جود منذ أن كانت صغيرة، قالت فيها إنها ستصبح مُدرّسة، وأن والدها سيصبح تاجر قطع إلكترونية وحواسيب، وبالفعل هذا ما حصل”.
وعام 2012، أرسل ياسر ابنه إلى دمشق لشراء بضائع لمتجره، في ذلك الوقت كان التنقل بين مدينة إدلب ودمشق لا يزال آمناً نسبياً، لكن حاجزاً أمنياً بين مدينتي حمص ودمشق اعتقل الفتى الذي كان في الخامسة عشرة. تم إبلاغ ذويه أنه مات بعد ذلك بأربع سنوات. وقال الأب: “لم يكن سبب لاعتقاله سوى لكونه من إدلب ويحمل مبلغ 800 دولار، ربما حاول عناصر الحاجز سرقته، لذا اعتقلوه”.
“استغرق الأمر سنوات من الصبر، دفعت مبالغ طائلة للعديد من السماسرة والمحامين على أمل معرفة مكانه، في نهاية المطاف نصحني محاميّ بأن أقدم طلب بحث لدى المحكمة العسكرية في المزة بدمشق، وبالفعل قمت بذلك وتم تحويل الطلب إلى سجن القابون العسكري بدمشق، هناك أبلغونا أنه مات، وأعطونا أغراضه الشخصية، وهي عملات معدنية من الفئة الصغيرة، هاتف صغير مكسر غير هاتفه، وأوراق تدل على هويته”.
ويقول الأب إن عائلته مدنية مسالمة معروفة في إدلب، لم تؤذ أحداً، وهو ملتزم بعمله المدني وعمله التطوعي في مجموعة وصفحة الوفيات، التي هي بمثابة مكان يعزي فيه أبناء المدنية والمغتربين عنها بوفاة أقربائهم أو أصدقائهم.
ويقول فضل عبد الغني، مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، لـ”لنهار العربي”: “النظام يحاول إرهاب المدنيين وتركهم في حالة من التوتر الدائم وعدم الاستقرار في المناطق الخارجة عن سيطرته، وتوجيه رسالة للمجتمع الدولي بأنه قادر على خرق وقف اتفاق النار واستهداف كل مفاصل الحياة، بهدف منع المنظمات الدولية من بناء مؤسسات خدمية فعالة بديلة من النظام”.
ويضيف: “النكبة التي حلت بعائلة جود والنكبات الأخرى التي تحل بعوائل السوريين على مدار عشر سنوات، بدون عدالة ومساءلة، كبيرة وتدفع المجتمع المحلي الذي يشاهد الهجمات المتواصلة إلى التشدد ومحاولة الانتقام”. وحض المجتمع الدولي على اتخاذ إجراءات فاعلة تنهي معاناة الشعب السوري، وتحمي المدنيين.